التطور الطبيعي لعالم الفكر

عبد الله أوجلان

إن الذهنية الاجتماعية المعتمدة على الدوغمائية الدينية أو الميثولوجية هي الاعتقاد الذي يشعر بأنه لا يستطيع العيش إلا بالاعتماد على عبوديته أو بالاعتماد المطلق على أحدهما. إن الابتعاد أو الإبعاد عن أسلوب العبادة والإيمان والاعتقاد في هذه البنية الذهنية، يعادل الموت أو الزوال، وهذا أكبر عقاب. ويكمن في أساس هذا الاعتقاد قوة الإيديولوجية وضعفها، حيث تربط الفرد بالمجتمع باعتباره تابعاً له دون محاكمة أو سؤال. وهكذا بمكنة المجتمع في هذه البنية الإيديولوجية أن يشعر بأنه قوي بواسطة القوة التي يؤمن بها والقيم والرموز المعطوفة عليها. وبما أنه لا توجد بنية ذهنية مستقلة تنتج البديل أثناء الأزمات فإن هذا المجتمع محكوم عليه بالزوال أو بالتحول إلى مجتمع متخلف أو سيتم استعباده من قبل قوة حاكمة أو أكثر تقدماً منه أو يتعرض على يدها للانصهار.

لقد عرضت البنية الذهنية الدوغمائية القوية السائدة في مجتمعات الشرق الأوسط أمامنا كل هذه النتائج، فمثلاً بالرغم من البنية غير العادية للمجتمع السومري، إلا أنها لم تستطع أن تنجو من الهزيمة خلال مرحلة الأزمة أمام قبائل الجبال والصحراء البسيطة. كما وتعرضت مصر للمصير عينه، وأيضاً بالرغم من أن الحضارة الإغريقية والرومانية تمتلكان الأساس الفلسفي الواضح، فقد سقطتا وتفككتا نتيجة حالة الأسرى التي مهدت السبيل لها ذهنية مجتمع الرق عموماً. لا شك أن علاقات ملكية الرق على أساس نمط الإنتاج، تلعب دوراً بارزاً في ذلك، لكن البنية الإيديولوجية المهيمنة على بنية المجتمع، أعاقت بمقاومتها أمام انطلاقة تشكل أساساً لتدوين مرحلة جديدة. عدم الانطلاقة في البنية الإيديولوجية يعني اللاحل والتشتت، لهذا السبب تلعب البنية الدوغمائية المسيطرة على الفكر بالنسبة للمجتمعات دوراً كعائق إيديولوجي اكثر تعقيداً وجموداً. طول الفترة التي عاشها نظام الرق في العصور الأولى مرتبط بشكل وثيق بالسيطرة الفكرية “الدوغمائية” المؤسسة  على البنية الإيديولوجية للمجتمع، كذلك لهذا السبب تكتسب الأنطلاقات النبوية قيمة كبيرة، وان سبب تعادل إحداها حملة ثورية هي الثغرات التي فتحتها في البنية الدوغمائية التي ظهرت ضدها.

وبسبب ارتباط ثورة النبي إبراهيم بتحطيمه الأصنام، وتحامل  النبي محمد على أصنام الكعبة كهدف أول، وغضب النبي موسى الكبير على “عبدة العجل الذهبي”، فإنهم يكتسبون أهمية مميزة في المراحل التي عاشوا فيها. وان استهداف الدوغمائية وتشتتيها يعد ثورة من أجل تلك المراحل.

في الوقت الذي كانت الأزمة واللاتحليلية “الجمود” المعاشة في مركز ولادة حضارة الرق تمهد الطريق أمام الدويلات الموجودة على الأطراف والتي أصبحت أكثر مرونة وترسخ فيها الوعي الأثني، من جهة أخرى فقد كانت الجهود تبذل لإيجاد مخرج ضمن المخطط الإيديولوجي من خلال الأديان التوحيدية مع مساعي البحث السرية. إن الفلسفة وخاصة في المجموعات السرية تصبح مناسبة أكثر للتطور، حيث تزداد إمكانية التفكير الحر عند هذه المجموعات أو يزداد ما يمكن أن نسميه بالتجارب السرية لهذه المجموعات المناهضة للإيديولوجية الرسمية لنظام الرق. فبالإضافة لكونهم أصحاب اعتقادات واضحة فهم في مرحلة بحث واستقراء عن نظام قيم يرتبطون به من جديد ويجعلهم يتجاوزون خوفهم ويدخلون الطمأنينة إلى أذهانهم وأرواحهم. إنها عبارة عن طرائق نوعية في العهد البدائي.

أما العامل الهام الآخر الذي مهد السبيل أمام الفكر الفلسفي هو التطورات التي وصلت إليها وسائل الإنتاج، حيث علت الحضارات الأولى لنظام الرق أساساً على أكتاف العصر البرونزي. لقد قدمت الملكية المقامة على البرونز إلى طبقة مالكي الرقيق قوة عظيمة بسبب الأدوات الزراعية والصناعية والعسكرية التي تم تصنيعها من هذا المعدن، وإن شح هذه الأدوات التي قلما توجد خارج المركز أدى إلى ضعف البنى الأثنية؛ تمكنوا من الدفاع عن أنفسهم بواسطة ما يحصلون عليه من هذه الأدوات. ولكن تقنية الحديد التي انتشرت اعتباراً من عام 1000ق.م، مهدت السبيل لخلق تأثير ديمقراطي كبير، وازداد نفوذها حيث انتشرت بشكل واسع ووصلت إلى شريحة واسعة من الفقراء. فوصل الإنتاج والدفاع إلى أبعاد متقدمة جداً باستخدام تقنية الحديد، وهذا كان يعني الوفرة من جهة والأمن من جهة أخرى. وقد أديا بدورهما الى الرفاه وزيادة أوقات الفراغ وتتخذ الفلسفة من أرضية اجتماعية كهذه شرطاً أولياً. إن ظهور الكلاسيكيات الكبيرة للفكر الفلسفي في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد لم يكن من تلقاء ذاتها، بل هي مرتبطة بتجزئة البنية الإيديولوجية لمجتمع الرق في العصر الأول، وبتحطيم احتكار أدوات الإنتاج الأساسية “الأدوات الحديدية والبرونزية”. إن مصطلح “العصر الكلاسيكي” لنظام الرق يمكن أن نطلقه على المرحلة الأخيرة من العصر الأول، بين القرن الخامس قبل الميلاد والقرن الخامس بعد الميلاد، كذلك يمكن في الوقت ذاته أن نطلق مصطلح عصر الفلسفة على المرحلة التي ظهر فيها كبار الفلاسفة الذين طوروا خلالها تعاليمهم ووضعوا أسسها.

مراحل التطور

لإيلاء المعاني لأغوارِ التاريخ، نجد أنَّ الأسلوبَ الأولَ الذي يواجهنا هو التناولُ الميثولوجي لكل الحوادثِ والمفاهيم. وعلى النطاق المحدود، تُعتبَر الميثولوجيا  أيضاً أسلوباً وطريقةً للكشف عن الحقيقة، ذلك أنها تستند إلى مفهومٍ كونيّ. فإذا ما وضعنا نُصبَ أعيننا المستوى الذي أَنجَزَهُ العلمُ في يومنا، سنجد أن النظرَ إلى الطبيعة على أنها حيةٌ ومملوءةٌ بالأرواح ليس بأسلوبٍ خاطئ بالقدر الذي بولغ فيه، حتى ولو تبدَّى كتقييمٍ طفولي. بل إنّ مفاهيم الأسلوب الذي يَعتبِر الطبيعةَ ميتةً وجامدة وخاليةً من الديناميكية والحيوية، هي التي تفتقر للمعاني أكثرَ مما عليه الميثولوجيا.

إنّ روابطَ التناولِ الميثولوجي للأمور مع الحياة هي – وبكل تأكيد – بيئيةٌ، ومنفتحةٌ للحرية، بعيدةٌ عن القدرية ، وليست حتمية . إنّ مفهومَ الحياة هذا، والمنسجمَ مع الطبيعة والفطرة، ميَّزَ الجماعاتِ البشريةَ بالحماس والعنفوان والتعددية إلى حينِ عصرِ الأديان الكبرى. فالملاحمُ والأساطير والميثولوجياتُ المُترَعَةُ بالمقدسات، كانت ذهنيةَ الحياةِ الأساسية في العهد النيوليتي على وجهِ الخصوص. كما أنّ تضارُبَ الأقاويل مع الواقع الموضوعي Nesnel لا يعني أبداً استحالةَ تطويرِ التفاسير ذات المعاني القيِّمة فيما يتعلق بمضمونها. بل يمكن القيام بشروحٍ ذاتِ معانيَ ثمينةٍ للغاية بحق تلك الأقاويل (الميثولوجيات)، بحيث مِنَ النادرِ جداً فهمُ التاريخ خارجَ إطارِ هذه التفسيرات. لا غنى لنا عن الميثولوجيا كأسلوبٍ رئيسٍ لفهمِ الجماعات البشرية التي عاشت أطولَ فتراتِ حياتها على شكلِ أقاويل.

إنّ قَولَبَةَ الميثولوجيا تُوَلِّد الدين. حيث لا يمكن نعتُ الميثولوجيا بالدينِ تماماً، لأنّ هذا الأخيرَ يتطلبُ العقائدَ الثابتةَ وأشكالَ العباداتِ التي لا تتغير، وهو تصوريٌّ كلياً. أي أنّ الإيمانَ بالتصوراتِ أساسُ الدين. والجانبُ الوحيدُ الإيجابيُّ فيه هو تَسَبُّبُه في بروزِ تصدعاتٍ غائرةٍ في المجتمعِ أثناءَ مرحلةِ الانتقالِ إلى الفكر المجرد، ليُرغِمَه على دخولِ الفكرِ العلمي والفلسفي، وتهيئةِ الأرضية له، وإنْ لم يرغبْ هو في ذلك. حيث يَتَطَوَّرُ الفكرُ الفلسفيُّ والعلمي مع الفكرِ الديني ضمن علاقاتٍ وأواصرَ جدليةٍ، لِيَحمِلا آثارَه العميقةَ في أحشائهما.

تتجلى نقطة التصدع الثالثة المهمة التي تعرض لها النظام العبودي القديم، المعتمد على المثيولوجيا ذات الجوهر الإيديولوجي، في التطورات الفلسفية باعتبارها الجهود الأولى التي لا تعتمد  على إدارة الله لتغيير الطبيعة، لقد استندت الحضارة في ولادتها وتطورها على المثيولوجيا، وقامت بالدعاية لوجهة النظر الميثولوجية التي أحاطت بكل البنى الفكرية والروحية للبشرية على مدى آلاف السنين فما دامت الآلهة قد قررت كل شيء مسبقاً، لا حاجة للتفكير والحركة، وكل ما هو مقدر سيعاش، وكان النظام يستمد قوته الكبرى من هذا الإيمان الأعمى بالقدر، وإذا ما أضيف إلى هذا القدر قوة الملوك ـ الآلهة تكون قد فتحت الأبواب على مصراعيها أمام ممارسة عبودية لا حدود لها.

تلقى النظام ضربة إيديولوجية قاسية وهامة عندما أرسى النبي إبراهيم أسس الإيمان في الدين التوحيدي الذي لا يعترف بتأليه الإنسان، وعندما طبقت التقاليد الزرادشتية التي لا تربط التصرفات الإرادية للإنسان بالرب وتعتبرها تفعيل للأخلاق الحرة ووضع ذلك في صيغة سياسية، أدت إلى عدم قدرة العبودية القديمة من طراز مصر وسومر على الصمود، وإذا أمعنا النظر سنجد أن أحدهما فتح الطريق أمام ثورة المعتقدات والآخر فتح الطريق أمام ثورة الإرادة والأخلاق.

أما الثورة الفلسفية التي تنامت في أحضان النظام العبودي الإغريقي والروماني التقليدي فأنها ستوجه الضربة الإيديولوجية القاضية، وستدخل المؤسسات وطراز الحياة العبودية موضوعياً تحت تأثير القوة العقلية، ومع البدء في التفكير العقلي المستقل المنفصل عن الله والدوغمائيات الدينية، سيتوجه نحو تركيبة جديدة، ويحاول الفكر الفلسفي وخاصة عند أفلاطون وأرسطو إنقاذ دولة مدينة أثينا والوصول بها إلى الكمال، وتصب كافة الجهود التي بذلها سقراط الذي يعتبر أباً للفلاسفة البرهنة على إمكانية خلق المواطن العالم، وبذلك أكد إمكانية إنقاذ دولة أثينا بواسطة مفهوم المواطن الواعي، ولهذا الهدف كان يريد أن ينجز كل عمل بالاعتماد على المعرفة الكاملة أولاً، كان هذا هو جوهر فلسفته.

إن أهم فرق بين الميثولوجيا والدين، هو أن الدين يتضمّ‍ن إيماناً وعبادة قسرية، وهذا مالا نجده في الميثولوجيا. أما في الفلسفة فلا يوجد إيمان قسري أو نمط لفظي معين. فالفلسفة هي نمط فكري يحمل السيئ الإقطاعي بعيداً عن العاطفة، وتعتمد على البنية الذهنية والمنطق لدى الإنسان، وتحمل الخصائص الاثباتية، وتضع في أولوياتها الثقة والاهتمام بالبنية الذهنية للإنسان. وهناك علاقة للإنسانية والفردية مع هذا النمط من الفكر الفلسفي، وتغدو الفلسفة بهذا المعنى شرطاً هاماً لنمط الفكر الأساسي للمجتمع الرأسمالي.

كلما ازداد الصراع بين الفلسفة والدين والميثولوجيا، وانتهى هذا الصراع لصالح الفلسفة، يؤدي ذلك إلى قفزة صحيحة لصالح نمط التفكير العلمي الذي سيتطور بتأثير الفلسفة. لا شك أن تمهيد الفلسفة لطريق العلم شيء هام جداً، لكنها ليست العامل الوحيد. فالعامل الأكثر تأثيراً هو ازدياد المعلومات العلمية بالتوازي مع تقنيات الإنتاج، حيث يقوم التطبيق العملي للإنتاج والحياة بتعريف الظواهر والعلاقة الموجودة بينها، وينتهي بنا إلى إنشاء معادلة السبب والنتيجة، وتزيد التقنيات المستخدمة من اكتشاف خصائص الطبيعة، وبذلك تكون المثيولوجيا والفكر الديني، اللتان كانتا مسيطرتان في البداية، قد ضعفتا بتأثير الفلسفة، وتزداد أهمية العلم الذي يتطور مع الفلسفة بشكل متداخل، وكانت نتيجة تطبيق الثلاثي الطرح والطرح المضاد والتركيب، قد انتهت لصالح العلم، فكانت الميثولوجيا والفكر الديني هما الطرح الأول، بينما الفلسفة شكلت الطرح المضاد والصراع بينهما ولّد الذهنية العلمية.

لا يمكن أن ننكر بأن التطور العلمي قد أكتسب سرعته من الفلسفة، ولا يمكن أن ندعي بأن العلم قد تخطى الفلسفة وبأن الفلسفة لم تعد ضرورية، ولكن هناك حقيقة لا يمكن إنكارها أيضاً، وهي أن الفلسفة قد فقدت أهميتها القديمة في مرحلة نضوج النظام الرأسمالي، ومثلما لا يمكن ان ننظر إلى الفلسفة باعتبارها شكل التفكير الخاص بالنظام الرأسمالي، كذلك لا يمكن تقييم الرأسمالية على أنها النظام الذي يرفض الفلسفة.

يمكن تقييم مرحلة النظام الرأسمالي من ناحية النشوء على أنها  أقرب عصر إلى الفلسفة. حيث أدت الحروب الفكرية الكبرى إلى انحلال اللاهوت، وبذلك توضع خطوة عملاقة من أجل الفهم الصحيح للمجتمع برفع هذا الغطاء عنه. وبهذا الاتجاه لعب الفلاسفة دور أنبياء العصر الجديد. ولكن يكمن اختلافهم الوحيد في اكتسابهم قوة تفسير المراحل الاجتماعية الطبيعية بقوانينها الداخلية، دون إشراك الله بالأمر. حقاً لقد عبّر هذا الطراز الفكري عن أعلى مستوى من مستويات الوعي العام الذي اكتسبته الإنسانية الناضجة في التطبيق، وقد أدت التجارب التي أجريت على الطبيعة والمجتمع إلى تحويل التفسيرات التي تقدمها المواقف الميثولوجية واللاهوتية مدعاة للضحك. وبدأ الفرد الذي فقد حريته تحت وطأة الدوغمائية يبحث عن ذاته؛ ليتحكم في مصيره بنفسه لأنه ملّ من الآلهة. وقد كانت المسيرة نحو الفردية تقتضي الكثير من الجرأة، وراح الإنسان يتخلص تدريجياً من كونه ظلاً ويحول نفسه ليصبح فاعلاً، ولم يكن أمامه أي حل سوى الوثوق بنفسه وبقدراته، فثقته بنفسه ورفضه لتدخل الدين في شؤونه يتطلب جرأة كبيرة. لم يعد هناك آلهة لهذا تعد الفلسفة مرحلة فكر حر نجمت عن الثقة بالنفس والجرأة، ولم تعد هناك آلهة تتدخل بشؤونه، فكانت الفلسفة شكل فكر حر في مرحلة أكتسب الفرد فيها قوةً حين أكدت له: “لن تعيش كالأطفال معتمداً على الكبار، بل ستعمل من أجل العيش عن طريق تفسير الحياة بأفكارك وقوتك الذاتية”.

ورغمَ كونِ الفلسفةِ نابعةٌ من الذكاء الذي يَطفَحُ عليه الجانبُ التصوري، إلا أنها تَرتبطُ بالواقعِ الملموس عبر رَصدِه وملاحظته الدائمة. أي أنها لا تَقطَعُ صِلاتِها مع الذكاءِ العاطفي كلياً. وقُوَّتُها التجريديةُ من أرقى أشكالِ الفكر. لذا، فمكانتُها تسبق الدين بالمساهمةِ في العلم.

في الحقيقة، لا فوارقُ كثيرةٌ بين العلمِ والفلسفة، ويمكننا تفسيرُ العلم على أنه فلسفةٌ أساسُها التجريبي أكثرُ تقدماً. إنهما يسعيان لإضفاءِ المعاني على الطبيعتَين عن طريقِ الملاحظةِ   والتجربة . وهذا هو الصحيح. إلا أنّ أفدحَ نقصٍ فيهما يَتَجَسَّدُ في عدمِ رَدِّهِما على سؤالِ اللميةِ الذي يطرحه الدين.

رغم محدوديةِ نطاقِ الفلسفةِ نسبةً إلى الدينِ في تاريخِ المدنية، إلا أنها تتميز بأهميةٍ ملحوظة. فَتَطَوُّرُ عِلمِ المعاني، وقُصُورُ الإيضاحاتِ الدينيةِ أبرزَ الحاجةَ إلى الفلسفة. هذا وتُعتَبَرُ الحكمةُ بدايةَ الفلسفة، باعتبارِها معمِّرةً بقدرِ قِدَم الدين. والحكيمُ الذي يُمَثِّلُ الإنسانَ المفكرَ يُعَدُّ منبعَ معانٍ مختلفةٍ عن اللاهوتية، ويُلجأُ إلى آرائه بقدرِ اللجوء للناطقين باسمِ الرب. ولا يمكن اعتبار الحكماءِ مسالِمين للدولة والمدنية، بل إنهم مرتبطون بالأكثر بالمجتمعِ الكامنِ خارجَ نطاقِ المجتمع الرسمي، ودورُهم بارزٌ في تَطَوُّرِ الأخلاق والعلم. إنّ نساءَ الإلهةِ – الأم، والشرائحَ الهرميةَ التي لم تُصِبها الرعونةُ والبَلادة بعدُ في المجتمعِ النيوليتي أَقرَبُ إلى الحكمةِ والمعرفة، ونصادفُ آثارَها الوطيدةَ في المجتمعِ السومري. كما أنّ الانطلاقاتِ النبويةَ مشحونةٌ بالحكمة. وتقاليدُ الحكمة – الفلسفةِ في الشرقِ الأوسط جديرةٌ بالبحثِ الشامل. لا جدالَ في وجودِ الفلسفة قبلَ الثقافةِ اليونانية. ويَكمُنُ حُسنُ طالعِ الفلاسفة اليونان في إمكانياتِهِم الجغرافيةِ ومعايشتِهِم مرحلةً أرقى من المدنية في آنٍ معاً. فكيفما سَيَّرَ الرهبانُ السومريون إنشاءَ الدينِ الجديد والإلهِ الجديد وتشييدَ الدولةِ الجديدة والمجتمعِ الجديد معاً، فقد لعبَ الفلاسفةُ اليونانيون أيضاً دورَهم في بناءِ وديمومةِ المجتمع المديني الجديدِ بمرحلة أرقى، بحيث تتداخلُ فيه الفلسفةُ مع الدين بالتناصف. والعملُ الحاصلُ هو نفسه: استخدامُ فَنِّ المصطلحات. فبينما يؤدي الأولُ دورَه مع إنشاءِ الدين، يقوم الثاني بتأديةِ الدورِ عينِهِ عبرَ المصطلحاتِ الفلسفية.

الخاصيةُ العظمى الأولى فيها تَتَجَسَّدُ في هَضمِها وتَبَنّيها للفلسفةِ أيديولوجياً من حيث هي فكرٌ وشكلٌ عقائدي، أكثرَ من نزوعِها للأديانِ الوثنية. ذلك أنّ الفلسفةَ تُسفِرُ عن انفجارٍ عظيمٍ في المعاني. وهكذا نُثِرَت وَرُشَّت بذورُ كلِّ الميولِ الفلسفيةِ للعيان في هذه المرحلة، لِتَجِدَ جميعُ الأنماطِ الفكرية فُرصتَها في الولادةِ والتداول، بدءاً من المثاليةِ المحتوى إلى المادية، من الميتافيزيقيةِ المضمون إلى الجَدَلية. وبينما كانت الأسبقيةُ لـ”الفلسفةِ الطبيعية” قَبلَ سقراط، رَجَحَت كَفَّةُ “فلسفةِ المجتمع” في عهدِه وما بعد. ويَلعَبُ تفاقمُ “القضايا الاجتماعية” (القمعُ والاستغلالُ والاستعمار) دورَه في بروزِ هذه المستجدات. لِنُشَدِّدْ مرةً أخرى على أنّ “القضايا الاجتماعية” تعني تأسيسَ سلسلةِ المدينة، التجارةِ، الدولةِ، والإداري الحاكم. فضلاً عن أنّ المدينةَ – باعتبارِها مركزَ المدنية المادية – تُؤَثِّرُ في جعلِ الفكرِ الفلسفي ضرورةً اضطرارية. فالمدينةُ بِحَدِّ ذاتِها تعني الانقطاعَ عن المجتمعِ العضوي. بالتالي، من السهل بمكان تَشَكُّلُ ذهنيةٍ منقطعةٍ عن الطبيعةِ في أجواءِ المدينة. بمعنى آخر، فالرَّحِمُ الأمُّ لكلِّ ضروبِ الأفكارِ الميتافيزيقيةِ والماديةِ المُجَرَّدَةِ والفظة هو المدنيةُ المؤسَّسةُ على دعامةِ خيانةِ البيئةِ والطعنِ بها.

إذن، وبينما تَكُونُ الفلسفةُ انطلاقةً في الفكر، فهي من الجانبِ الآخر شكلٌ آخرُ مِن أنماطِ الفكرِ المغتربِ عن البيئة. والصوفيون الذين يَعمَلون على نشرِ الحِكَم والمعارف الفلسفيةِ أَشْبَهُ بِمُتَنَوِّري تلك المرحلة (مثقفو أوروبا في القرن الثامنِ عشر). حيث يُدَرِّسون أولادَ العوائلِ الميسورةِ مقابلَ ما يَتَقاضَونَه من مال. ويُؤَسِّسُ الفلاسفةُ مدارسَهم، تماماً مثلما اخترعَ الرهبانُ الدينَ، ومثلما شَكَّلوا الأناسَ التابعين للمعبد. إنهم يَبنُون ما يُشبِهُ الكنائسَ (المجالس). ويَتَكَوَّنُ زخمٌ من المدارسِ الفلسفيةِ على غرارِ ما في الأديانِ التعددية. يمكننا النظرُ إلى كلِّ مدرسةٍ منها كَدِينٍ أو مذهبٍ مستقلٍّ بذاته. ونظراً لأنّ الأديانَ نمطٌ فكريٌّ في نهايةِ مطافها، فيُمكِنُ اعتبارها فلسفةً تقليديةً متمأسسةً وواضحةَ المعالمِ العقائدية. أي، من المهم عدمَ النظرِ إلى الفوارقِ بينهما على أنها تَضَادّ. فبينما يَكُونُ الدينُ قُوتاً للشعبِ المرؤوسِ والموجَّه بالأغلب، تَكُونُ الفلسفةُ غذاءَ المتنورين والشبانِ المنتمين للطبقات المتقدمة. من هنا، فأفلاطون وأرسطو يَتَطَلَّعان لِتَحَمُّلِ مسئولياتٍ ومهامّ أَقْرَبَ إلى أنْ تَكُونَ سعياً للنجاح في تأسيسِ مدينةِ الرهبان والحفاظِ عليها وإنقاذِها، ولكنْ، بمنظورٍ فلسفي. أي أنّ العملَ الأساسيَّ الذي يَنكَبُّ عليه الفلاسفةُ هو كيفيةُ تحديدِ الإدارةِ المثلى، والصَّونُ الأمثلُ لمجتمعِ المدينة ودولتِها، بل وقبلَ كلِّ شيء، تحديدُ مقوماتِ تأسيسِها المثلى.

وإذا ما تعرفنا عن قرب إلى هؤلاء الفلاسفة الذين خلفوا أثاراً وتركوا مدارس باسمهم في تلك المرحلة، حينها سنفهم ماذا تعني المرحلة الروحية والذهنية الجديدة للإنسانية.

أولاً ـ زرادشت والزرادشتية

مهما تم تقييم زرادشت على أنه نبي، فإن مواقفه تدل على أنه أقرب لأن يكون فيلسوفاً، ويعتقد بأنه عاش بين القرن العاشر والسادس قبل الميلاد. والمقبول أنه عاش في شمال غرب إيران الذي كان يشهد ثورة زراعية قوية، وكان مرتبطاً بالاقتصاد الزراعي لدرجة العشق. بمعنى أنه استطاع أن يؤسس علاقة بين شخصيته ووجوده وبين المؤثرات التي ولّدتها الثقافة النيوليثية. وقد اتخذ الجهد والإنتاج والكسب الحلال أساساً لفلسفته، ويضفي القدسية على الخضرة ويجعل من حماية الحيوانات مبدءاً له، ويمنع تقديمها على كقرابين واكتفى بالاستفادة من قوّتها في الزراعة والاستفادة من حليبها ودهونها.

أما أساس زرادشت كفيلسوف فإنه يعتمد على الأخلاق العليا وعلى الصراع الدائم بين الظلمة والنور وبين الصالح والطالح، أي أنه يعتمد على مبدأ وحدة وصراع الأضداد الديالكتيكي. وهو أول من اعترف بحرية الإرادة الإنسانية. وهذا يعني أن الإنسان أصبح حسب هذا المعتقد صاحب طاقة خلاقة كانت حتى ذلك الوقت إحدى الصفات الخاصة للإله. إن عميلة الإبداع الفردي التي تعد جوهر الفكر الغربي هي إحدى الجوانب الفلسفية الهامة لزرادشت. وإن اعتماد الإرادة الحرة أساساً تعني بداية الفلسفة ورفض مفهوم العبد. وتعد تعاليمه في هذا الإطار نقطة العبور بين الفلسفة والدين، تمثل الطريق الفاصل بين الفلسفة والدين. وتعد هذه الميزة تطوراً كبيراً.

ثانياً ـ البوذية

لا يوجد للرب مكان في فلسفته، فانه لا يتخذ من الطبيعة أساساً، ولا يهتم كثيراً بالخالق والمخلوق، فالقضية الأساسية التي يبحث عن حل لها، هي الواقع المؤلم للعالم وخصائص الحياة المؤلمة للمجتمع. تعد هذه التعاليم التي استمرت حتى يومنا هذا تحت اسم البوذية باعتبارها فلسفة الحياة لمجتمعات هامة في جنوب شرقي آسيا، فلسفة أخلاقية من زاوية خصائصها الاجتماعية الأساسية، واصلاح أخلاقي.

ومثلما تأثر بتقاليد زرادشت، فانه أثر كلا الجانبين الشرق والغرب. وهناك روابط وثيقة بين البوذية والتصوف. ووضع أنظمة مثل الزهد والانزواء والانقطاع عن الغرائز، وذلك لإدراك أنانية الطبقة الحاكمة المستغلة والحد منها، مثلما قامت هذه التجارب الحياتية بتربية النفس، كذلك مهدت  بأنظمة الإلهام مثل نظرة العارفين والعودة إلى الوجدان الذي أعماه الثراء والنظرة الواقعية لتوازن الطبيعة، السبيل أمام التعليم وخلقت راحة الضمير.

كونفوشيوس

كانت هذه التعاليم أشبه ما تكون بتجديد أكثر من كونها إصلاحية، فليس هناك دين في الكونفوشوسية، بل هناك قضية المجتمع والنظام السياسي فقط، وكيفية إعادة بناء النظام الاجتماعي والسياسي الذي أصابه العطب؟. والجانب الذي تم التركيز عليه هو الانشغال بالأفراد أكثر من الانشغال بتأسيس العلاقات من جديد بين المؤسسات المختلفة، يعني أن المسألة الأخلاقية هي المسألة الأساسية في الكونفوشيوسية. وكان العمل يجري على ترسيخ النضال عن طريق التشييد بالنضال الأخلاقي، وقد قدمت توضيحات مفصلة تناولت أدق النقاط المتعلقة بما يجب أن تكون عليه قواعد الحياة بين الأفراد، وما زالت هذه الذهنية تمارس تأثيرها على المجتمع الصيني، وتقف خلف الطابع والاجتهاد الصيني، وان تعاليمها ذات طبيعة صوفية ولا يمكن إنكار دورها في الطرائق الصوفية ودوره في سير التطور العام للحضارة.

بعض فلاسفة الطبيعة:

إسهامات “تالس الميلتي” الذي يعتبر الفيلسوف الأول في تاريخ الفلسفة؛ إذ قام بتفسير الطبيعة اعتماداً على علاقاتها الذاتية الجوهرية دون أن يضم الله الى العمل، وبالرغم من أننا سنجد أنه لم يقدم أي شيء بمقاييس أيامنا هذه حين يقول: ” خلق الكون من الماء”، ولكن عندما نأخذ قوله هذا في تلك الأيام دون أن يضع فكره تحت ظل الله وأن يقوله بكل حرية، فإننا سنرى أنه يمتاز بقيمة ثورية في تاريخ الفكر الإنساني.

يبين هيروقليطس من دون أن يتحدث عن الإله بأن أساس الطبيعة يقول عبارة عن حركة ذاتية. ويقول بأن الطـبيعة تـتحرك بـواسطة نـظام قـوانينها الـداخلية الـذاتية أو ما يمكن أن نقيمها كقانون  “LOGOS”لها، وتتغير بشكل مستمر دون حاجتها لأي مؤشر إلهي خارجي؛ حيث يضع هذه الصيغة في المقولة التالية ” لا يمكن أن تستحم في مياه نهر جاري مرتين”. وبذلك ولأول مرة يضع وبكل وضوح أساساً لأسلوب التفكير الذي يأخذ المادة أساسا له، ويعد أسلوب التفكير هذا مصدراً رئيساً لنظرة المادية في تاريخ الفلسفة ولنظرة المادية التاريخية التي سيتم تطويرها فيما بعد.

يضع فيثاغورث أسس الفلسفة المثالية، وهو أيضاً كتالس يتلقى تعليمه في مدارس الكهنة في مصر وبابل لفترة طويلة من شبابه “25”، حيث تجول وشاهد ديار الحضارة، إن أهمية هذا الفيلسوف الذي عاش في القرنين السادس الخامس قبل الميلاد كونه طبق الرياضيات على علاقات الطبيعة، كما أضفى القدسية على الأرقام، ويؤمن بأنه يستطيع تفسير كل شيء بالاعتماد على خصائص الأرقام وأدعى بأنه يستطيع أن يسمع لغة الانسجام الموجودة في الكون بواسطة الموسيقى ودافع عن نظام “ARMONIA “. وأفترض بوجود الأسس الروحية في أساس كل شيء، وكان يرى أن حقيقة المادة والجسد تلعبان دور القفص فقط، لقد مارس فيثاغورث تعاليمه بطريقة صوفية، ويأخذ التعليم المكثف أساساً، وأعد النظام الفلسفي لمرحلة ما قبل أفلاطون في المجتمع الطبقي الذي كان يولد في الإغريق وجنوب إيطاليا.

هذا ويكتسب الفيلسوف بارمنيديس أهمية كبرى لافتراضه بأنه يكمن في أساس كل شيء المنطق والفهم وموهبة الدماغ. فقد كان يثق بأنه يمكن الوصول للحقيقة بالاستعلام بالدماغ والمخ لذا فإنه كان يرى بأن المعلومة القادمة عن طريق الأحاسيس والعواطف تكون مخادعة ولا يمكن الوثوق بها. بالأساس إن أهمية بارمنيدس تأتي من إيلائه الأهمية للعقل ومن اهتمامه الكبير بعقل الإنسان المتيقظ وتثمينه الكبير للمخ. فربما كان متطرفاً، وابتعاده عن المصادر الاستعلامية الملموسة، فتح باباً أمام الخطأ في الأسلوب بحيث استمر لآلاف السنين. إلا أنه يمكن القول بأنه لوضعه وإظهاره لأهمية الفكر المنطقي لعب دوراً كونياً.

سقراط: السؤال الذي أراد سقراط أن يقدم الإجابة عليه أساساً هو: هناك الكمال في كل شيء وخاصة في كل عمل “مقاييس الكمال وقوانينه وتقاليده”، وإذا أردنا التوسع ، إن أول شيء يجب القيام به من أجل التحدث عن موضوع أو عن عمل ما، هو معرفة أسس هذا العمل أو هذا الموضوع. وهنا تظهر أمامنا كلمة السر الشهيرة المتمثلة بمبدأ ” أعرف نفسك ” ويجب على الذين ليس لديهم معلومات كافية عن الموضوع أو العمل، بل وأكثر من ذلك إن الذين لا يملكون معلومات على درجة من الكمال يجب ألا يتكلموا، وأن لا يتدخلوا بهذا العمل، لان الجهل هو مصدر الفوضى والخطأ وهو بالتالي مصدر كل الشرور، ويجب على الذي يريد فتح  طريق الخير، وأن يكتسب المعرفة الخاصة به.

وتوجد لهذه المعرفة معايير عامة، إذ لا يمكن أن يكون لكل شخص معايير خاصة به، فلكل مهنة ولكل مؤسسة معايير وقوانين خاصة بها، وهذه المعايير والقوانين سارية المفعول أيضاً من أجل فروع هذه المهن والمؤسسات والتي ذات مستويات. وبمعنى آخر نجده ينادي بالعمل على أساس المبدأ القائل” الممارسة السليمة، تعتمد على النظرية السليمة”، وإذا دققنا قليلاً، سندرك أن هذا الموقف هو الموقف ذاته الذي كان يبحث عنه كل من بوذا و كونفوشيوس وزرادشت.

النتيجة

إنْ لم تَحصلْ معرفةُ الذات، فأيةُ محاولاتٍ أو جهودٍ علميةٍ مبذولةٍ لن تنجوَ من الانتهاءِ بالأديان والفلسفات الدوغمائية الأفدحِ خطراً. ففلسفتنا تَعي الحياةَ وتدركها ككلٍّ متكامل، بدءاً من الشعور والإحساس بمعاني نظرةٍ من عينِ حصان، وصولاً إلى تحليلِ المعاني في تغريدةِ عصفور. وهي فلسفةٌ مفعمةٌ بالمعاني الثمينة، بدءاً من التقديرِ والاحترام الكبير تجاه حكيمٍ عجوز، وصولاً إلى الردِّ على الطموحات المخفيةِ في عَينَي فتاةٍ يافعةٍ جافلةٍ مرتعدةٍ كغزالٍ خائف. بل إنها – وبطبيعةِ الحال – تعملُ أساساً بالعلمِ الذي يسعى لتحليلِ دوافع الجهلِ الفظيع في إنجابِ الأطفال حصيلةَ مفهومِ الجنسوية الأخطر من الإبادة الجماعية، وأسبابِهِ الكامنة في الإنسان والنُّظُمِ السلطوية المهيمنة، وتحليلِ كافةِ حلقاتِ التطور الطبيعي للحياة في ذاتها.

على الفلسفة، كعلم اجتماع، أن تلعب دوراً في راهننا يطابق ما كانت عليه في ميلادها. وتُعَد العودة إلى الفلسفة، مقابل العلم المتسلط، المبدأ الأولي لظهور المجتمع الحر. وقد تبين من خلال أعداد لا حصر لها من الأمثلة، عبر التاريخ وفي حاضرنا؛ أن الديمقراطية غير المرتكزة إلى الفلسفة، ستعاني الانحطاط والتردي بكل سهولة، وستغدو الآلة الدنيئة على الإطلاق في يد الديماغوجيين، لكي يُديروا الشعوب بها. والسبيل الوحيد لعرقلة ذلك، هو تسيير الكفاح الذي تتوحد فيه السياسة والتقاليد والأعراف، لتشكل كلاً متكاملاً لا ينفصم، بحيث يشكِّل العلم جانباً منه، لتكون الإثنية جانبه الآخر. وبروح المسؤولية العليا هذه، سنبدأ مسيرة الحياة الأكثر حرية، والمعتمدة على المساواة، وسنخلق عالمها من أحشاء أزمة النظام القائم.